مجبر بن علية
أمس الساعة ٨:٥٢ ص ·
قضاءٌ وجزاء 16
هو يدري أن مقدار الظُّلم الذي يَتَعَرَّضُ له في حياته لا يستطيع أن يتحمَّله إلَّا ثلَّة من البشرومع ذلك فهو ماضٍ في ترويض نفسه وإجبارها على الصَّبر والاحتمال طالما أن ذلك يُوفِّرُ بعضا من السَّعادة لمحبِّيه وإن كانوا هم أنفسهم من يتفنَّون في إيذائه لأنَّ النَّفس الكبيرة التي يحملها بين جنبيه هيهات أن تَنْزِلَ إلى مستوى ترضى فيه بمقابلة الإساءة بمثلها .
هكذا خَلَقَهُ الله صافي السَّريرة طَيِّبَ المعشرلا يحمل في قلبه حقدا أو ضغينة لأحد ولا يرضى أن يكون طرفا في معاناة الآخرين وحرمانهم ، تماما كقطرة غيثٍ تنزلُ برفقٍ على زجاج مُعَقَّمٍ فلا تَتْرُكْ عليه أثرا لجرح أو خَدَشٍ .
ماتت أمَّه وهو لم يستوفِ السَّنة السَّابعة من عمره فَكَفَلَتْهُ زوجة أبيه إلَّا أنَّها أَرَتْه ُمن القسوة والإساءة ما أَرْهَقَ جسده الغضِّ وعقله الصَّغيرولكنَّه تَحَمَّلَ ذلك بِهِمَّةٍ عالية وصلابة فاقتْ عمره بكثيرفلم يَشْكُ مِمَّا يعاني أو يُعَارِضَ مبتلاه بل عايش واقعه وعَوَّدَ نفسه عليه و كأنَّ الأصل في التَّربية ما لاقـاه ، حَرَمَتْهُ مربِّيتهُ من كل حقوقه و أوَّلها حقَّ التَّمتُّع بطفولتة إذ كَلَّفَتْهُ برعاية إخوته الثَّلاث و أرغمته أن يكون لهم أبا وأمًّا في نفس الوقت .
كان عُودَهُ يَشْتَدُّ يوما بعد يوم وهو يُغَادِرُ صباه و يتلقَّى دروس الفُتُوَّةِ من زوجة والده حتَّى أَدْرَكَ سِنَّ الشَّباب وقد اِكْتَمَلَتْ فيه جوانب الرُّجولة بِرُمَّتِهَا وهاهو ذا ينخرطُ في الجيش بعد مشورة أبيه وموافقته فكان خياره هذا ملاذا آمنا من الظُّلم المُسَلَّطِ عليه .
الحياة من حوله تَتَغَيَّرُبسرعة ، مات والده في غيابه وشَبَّ إخوته و شَاخَتْ زوجة أبيه بينما اِزْدَادَ وعيا وفَهْمًا للحياة .
لم يُعَارِضْ أبدا القسمة الجائرة لإرثِ والده إذ كان نصيبه منها شحيحا هزيلا تَمَثَّلَ في بعض النِّعاج العجاف وقطعة أرض مقسومٌ أديمها بين تربةٍ بيضاء وحقول حجريِّة لا تَصْلُحُ للفلاحة أو الرَّعي بينما حاز إخوته وزوجة أبيه على خِيرَةِ المواشي وأَخْصَبِ الأراضي .
قد أَوْكَلَ أمرهُ لله لإيمانه بأنَّه وحدهُ القادر دون سواه على إنصافه وتعويضه الآن ــ لو رأى له خيرا في ذلك ــ وإلَّا فهو يُؤَجِّلُ جزاءه له وعطاؤه إيَّاه إلى الوقت الذي يراه مناسبا ومفيدا .
أنهى الشَّاب خدمته العسكريَّة وقد تَمَكَّنَ خلالها أن يَسْتَجْمِعَ بعض المال الذي أغناه عن الحاجة و العوز فاشترى منزلا محترما في إحدى المدن القريبة إلى أرضه واستعملَ بعضه ــ المال ــ في اقتناء لوازم البيت وتأثيثه وقَدَّمَ جُزْءً منه مهرا لعروسه تمهيدا لإتمام ِنصف دينه ووَاصَلَ حياته بسلام .
حاولَ أن يَسْتَصْلِحَ أرضه التي وَرِثَهَا عن أبيه تحسُّبا لزراعة جزءٍ منها لِيَقِفَ بنفسه على صِدْقِ رؤياه وحُسْنِ ضنِّه بالله ، فهذه الأرض التي لا يكاد يَصْلُحُ سطحها لأمر من أمور الحياة هي نفسها التي تَدَّخِرُ في جوفها كنزا لا يُقَدَّرُ بثمن ، أرض حَوَتْ في باطنها نوعا من الرَّمل هو مادَّة أوَّلية مُهِمَّةٌ وثمينة في صُنْعِ الآَجُرِ والإسمنت .
وهاهي ذي الأرض الجرداء الجدباء التي كانت بالأمس القريب منبوذة ومُهْمَلَةً تَصِيرُ بين عشية وضحاها ورشة كبيرة تَدُبُّ فيها الحياة فَتَعْمُرُهَا الجرَّافات والشَّاحنات بعد أن تَحَوَّلَتْ إلى مَصْدَرَ رزقٍ لكثير من الأفراد و العائلات ، فسبحان من يُغَيِّرْ ولا يَتَغَيَرْ .
أرض زكيَّة طاهرة كانت بمثابة هبة من السَّماء غَيَّرَتْ حياته المادِّية قلبا وقالبا حتَّى أَصْبَحَ في ظرف وجيز من أثرياء المنطقة وأعيانها .
لم تكن نفسه الكبيرة العامرة بالحبِّ والإيمان لتَصْرِفَهُ أو تمنعه من مشاركة إخوته وزوجة أبيه بَعْضَ هذه النِّعَمِ والمساهمة في رَفْعِ الغُبْنِ عنهم فكان تَصَرُّفَهُ الفاضل هذا ترجمة صادقة لِنَخْوَتِهِ الطَّافحة التي تَرَاكَمَتْ في نفسه عَبْرَ مسيرته في هذه الحياة وإعلانا صادقا بأن طِيبَتَهُ طَبْعًا فيه لا تَطَبُعًا ، راميا خَلْفَ ظهره وسوسة الشَّيطان و حَثَّهُ على الثَّأر الانتقام .
تأليف : مجبر بن علية ــ الجزائر
أمس الساعة ٨:٥٢ ص ·
قضاءٌ وجزاء 16
هو يدري أن مقدار الظُّلم الذي يَتَعَرَّضُ له في حياته لا يستطيع أن يتحمَّله إلَّا ثلَّة من البشرومع ذلك فهو ماضٍ في ترويض نفسه وإجبارها على الصَّبر والاحتمال طالما أن ذلك يُوفِّرُ بعضا من السَّعادة لمحبِّيه وإن كانوا هم أنفسهم من يتفنَّون في إيذائه لأنَّ النَّفس الكبيرة التي يحملها بين جنبيه هيهات أن تَنْزِلَ إلى مستوى ترضى فيه بمقابلة الإساءة بمثلها .
هكذا خَلَقَهُ الله صافي السَّريرة طَيِّبَ المعشرلا يحمل في قلبه حقدا أو ضغينة لأحد ولا يرضى أن يكون طرفا في معاناة الآخرين وحرمانهم ، تماما كقطرة غيثٍ تنزلُ برفقٍ على زجاج مُعَقَّمٍ فلا تَتْرُكْ عليه أثرا لجرح أو خَدَشٍ .
ماتت أمَّه وهو لم يستوفِ السَّنة السَّابعة من عمره فَكَفَلَتْهُ زوجة أبيه إلَّا أنَّها أَرَتْه ُمن القسوة والإساءة ما أَرْهَقَ جسده الغضِّ وعقله الصَّغيرولكنَّه تَحَمَّلَ ذلك بِهِمَّةٍ عالية وصلابة فاقتْ عمره بكثيرفلم يَشْكُ مِمَّا يعاني أو يُعَارِضَ مبتلاه بل عايش واقعه وعَوَّدَ نفسه عليه و كأنَّ الأصل في التَّربية ما لاقـاه ، حَرَمَتْهُ مربِّيتهُ من كل حقوقه و أوَّلها حقَّ التَّمتُّع بطفولتة إذ كَلَّفَتْهُ برعاية إخوته الثَّلاث و أرغمته أن يكون لهم أبا وأمًّا في نفس الوقت .
كان عُودَهُ يَشْتَدُّ يوما بعد يوم وهو يُغَادِرُ صباه و يتلقَّى دروس الفُتُوَّةِ من زوجة والده حتَّى أَدْرَكَ سِنَّ الشَّباب وقد اِكْتَمَلَتْ فيه جوانب الرُّجولة بِرُمَّتِهَا وهاهو ذا ينخرطُ في الجيش بعد مشورة أبيه وموافقته فكان خياره هذا ملاذا آمنا من الظُّلم المُسَلَّطِ عليه .
الحياة من حوله تَتَغَيَّرُبسرعة ، مات والده في غيابه وشَبَّ إخوته و شَاخَتْ زوجة أبيه بينما اِزْدَادَ وعيا وفَهْمًا للحياة .
لم يُعَارِضْ أبدا القسمة الجائرة لإرثِ والده إذ كان نصيبه منها شحيحا هزيلا تَمَثَّلَ في بعض النِّعاج العجاف وقطعة أرض مقسومٌ أديمها بين تربةٍ بيضاء وحقول حجريِّة لا تَصْلُحُ للفلاحة أو الرَّعي بينما حاز إخوته وزوجة أبيه على خِيرَةِ المواشي وأَخْصَبِ الأراضي .
قد أَوْكَلَ أمرهُ لله لإيمانه بأنَّه وحدهُ القادر دون سواه على إنصافه وتعويضه الآن ــ لو رأى له خيرا في ذلك ــ وإلَّا فهو يُؤَجِّلُ جزاءه له وعطاؤه إيَّاه إلى الوقت الذي يراه مناسبا ومفيدا .
أنهى الشَّاب خدمته العسكريَّة وقد تَمَكَّنَ خلالها أن يَسْتَجْمِعَ بعض المال الذي أغناه عن الحاجة و العوز فاشترى منزلا محترما في إحدى المدن القريبة إلى أرضه واستعملَ بعضه ــ المال ــ في اقتناء لوازم البيت وتأثيثه وقَدَّمَ جُزْءً منه مهرا لعروسه تمهيدا لإتمام ِنصف دينه ووَاصَلَ حياته بسلام .
حاولَ أن يَسْتَصْلِحَ أرضه التي وَرِثَهَا عن أبيه تحسُّبا لزراعة جزءٍ منها لِيَقِفَ بنفسه على صِدْقِ رؤياه وحُسْنِ ضنِّه بالله ، فهذه الأرض التي لا يكاد يَصْلُحُ سطحها لأمر من أمور الحياة هي نفسها التي تَدَّخِرُ في جوفها كنزا لا يُقَدَّرُ بثمن ، أرض حَوَتْ في باطنها نوعا من الرَّمل هو مادَّة أوَّلية مُهِمَّةٌ وثمينة في صُنْعِ الآَجُرِ والإسمنت .
وهاهي ذي الأرض الجرداء الجدباء التي كانت بالأمس القريب منبوذة ومُهْمَلَةً تَصِيرُ بين عشية وضحاها ورشة كبيرة تَدُبُّ فيها الحياة فَتَعْمُرُهَا الجرَّافات والشَّاحنات بعد أن تَحَوَّلَتْ إلى مَصْدَرَ رزقٍ لكثير من الأفراد و العائلات ، فسبحان من يُغَيِّرْ ولا يَتَغَيَرْ .
أرض زكيَّة طاهرة كانت بمثابة هبة من السَّماء غَيَّرَتْ حياته المادِّية قلبا وقالبا حتَّى أَصْبَحَ في ظرف وجيز من أثرياء المنطقة وأعيانها .
لم تكن نفسه الكبيرة العامرة بالحبِّ والإيمان لتَصْرِفَهُ أو تمنعه من مشاركة إخوته وزوجة أبيه بَعْضَ هذه النِّعَمِ والمساهمة في رَفْعِ الغُبْنِ عنهم فكان تَصَرُّفَهُ الفاضل هذا ترجمة صادقة لِنَخْوَتِهِ الطَّافحة التي تَرَاكَمَتْ في نفسه عَبْرَ مسيرته في هذه الحياة وإعلانا صادقا بأن طِيبَتَهُ طَبْعًا فيه لا تَطَبُعًا ، راميا خَلْفَ ظهره وسوسة الشَّيطان و حَثَّهُ على الثَّأر الانتقام .
تأليف : مجبر بن علية ــ الجزائر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق