زهرة الصباح {74}
الاعتدال
(16) {الإسراف، عادة سيئة أم مرض اجتماعي؟!}
تقدمها لكم / رجاء حسين
============
{الدين المعاملة} فالإسلام ليس دينا منعزلا عن حياة المسلم؛ وقد جاء ليحفظ للإنسان كرامته وإنسانيته، وكلما ارتقى الإنسان في خلقه كان أقرب إلى الله ورسوله، كما جاء في الحديث الشريف: (أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا)
ولهذا أمرنا الله بالتزام مكارم الأخلاق والتمسك بها، وجاء الأمر بالعمل بها في القرآن والسنة النبوية؛ كما أننا أمرنا بالتحلي بصفات طيبة تجعل هذه الأخلاق في الاتجاه الصحيح؛ ومن أهم هذه الصفات صفة {الاعتدال} وهي بمثابة البوصلة التي توجه جميع شئون حياتنا، و في الحلقة السابقة رأينا أهمية مراعاة الاعتدال، فيما يخص الجانب المادي، كاستخدام المال، الماء، الطعام، الملبس والمسكن، وكل ما يمتلكه الإنسان في حياته أو يستخدمه، ولأن الله هو خالق الإنسان ويعلم ما قد تنزع إليه نفسه أحيانا من التطرف والمغالاة في بعض الأمور؛ فقد رسم له الطريق واضحا منذ البداية، طريق الاعتدال والاتزان؛(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) 31 سورة الأعراف، وتوقفنا عند السؤال: لماذا يخالف البعض ذلك؟ ولماذا يلجأون إلى الإسراف، رغم ضرره عليهم صحيا وماديا واجتماعيا؟! ورغم أن الله تعالى قد وضح لنا عواقب الإسراف العاجلة والآجلة؛ ففي الدنيا: قد ينتهي المسرف إلى الإفلاس؛ فيقعد ملوما محسورا يعض أصابع الندم على تفريطه وإسرافه، وفي الآخرة: له الحساب والعقاب على كفره بنعم الله وعدم حفاظه عليها، فلماذا يصر البعض على اتباع هذا السلوك؟ هناك أسباب مختلفة قد تدفع الإنسان للإسراف؛ قد تكون الأسباب: دينية، اجتماعية،أو نفسية؛ فإذا نظرنا إلى الناحية الدينية سنجد أن الإسراف مخالفة صريحة لأمر الله لنا بالاعتدال وعدم تجاوز الحد، وقد تكون هذه المخالفة عن جهل بتعاليم الدين، وهنا على من يهمهم الأمر، تنبيه المسرف لخطورة ما يفعله، وإن كان عن عمد فيجب توجيه النصيحة الخالصة له، مع الحرص على أن تكون من المقربين منه وممن يثق بهم؛ وتكون بأسلوب تربوي سليم لا ينفره؛ لأنه قد يُرجع الأمر إلى مجرد إحساس من ينصحه بالحقد والحسد لما يملكه من نعم، فينقلب الأمر لرفض النصيحة والعناد، وقد يتمادى أكثر فأكثر، وقد يكون الإسراف مرضا اجتماعيا؛ حيث يحاول المسرف الظهور بمظهر الكريم أمام الآخرين، معتقدا أنه كلما زاد إسرافه؛ فسوف ينفي عن نفسه صفة البخل والشح، ويُحسب من الوجهاء، غير عابئ بمخالفته لأوامر الشرع ولواجبه في الحفاظ على نعم الله ، فنرى البعض يبالغ مبالغة شديدة في إقامة الولائم وفي المناسبات المختلفة، ويصل الأمر إلى مرحلة استفزاز مشاعر من حوله؛ عندما يكون ما أعد من طعام وشراب يزيد أضعافا عن حاجة الموجودين فعليا، وينتهي الأمر غالبا بإلقاء كميات كبيرة في صناديق القمامة! وضياع المال، كما نجد البعض يفعل ذلك كنوع من التقليد الأعمى لبعض الأقارب أو الجيران؛ وحتى لا يقال عنه إنه أقل منهم في المستوى؛ فيفعل مثلهم وقد يزيد عليهم؛ وكأن الأمر قد تحول إلى مباراة لإعلان من هو أكثر سفها وإسرافا من الآخر، وكلها مظاهر اجتماعية جوفاء إنما تنم عن ضعف الشخصية،وانعدام الوازع الديني بمخالفة أمر الله، والوازع الأخلاقي بعدم مراعاة مشاعر المحتاجين، ثم يشكو البعض من انتشار الحقد والحسد في نفوس من حولهم! متجاهلين أنهم مشاركون أساسيون في غرس بذور هذه الأحقاد، بل وتعهدها بالرعاية والسقيا بسفاهة أفعالهم، حتى تطالهم أشواكها بمرور الوقت، مؤثرة تأثيرا سلبيا خطيرا على سلامة المجتمع وأمنه الاجتماعي، والنفسي، والغريب أنهم يلقون باللوم كله على الغير! كما أن هناك بعض الأسباب التي تعود إلى العامل النفسي الذاتي لإقدام الإنسان على الإسراف؛ فقد يكون الشخص قد عانى من الحرمان الشديد طوال حياته، بسبب الفقر الشديد أو قسوة وبخل الأسرة لدرجة حرمانه من احتياجاته الأساسية، ويظل طوال الوقت في هذا الحرمان، ثم فجأة ولأي سبب ينقلب الحال من النقيض إلى النقيض؛ فإذا بأحواله وقد تيسرت وصار المال كثيرا معه؛ وقد يصاب البعض في هذه الحالة بهزة نفسية تفقدهم البوصلة لتمييز حد الاعتدال، ويفقدون السيطرة على اتزانهم؛ فنجدهم ينتقلون إلى الطرف الآخر مباشرة، طرف الإسراف الشديد متجاوزين منطقة التوسط في الأمور، ويندفعون في مغالاتهم في الإنفاق؛ متجاهلين نصائح الناصحين، وسخرية الساخرين، وقد ينسون في خضم هذا الاندفاع حق النعمة التي أنعمها الله عليهم بعد ضيق وعسر؛ فينسون المحتاجين والمحرومين، فيحملون أنفسهم ذنبا فوق ذنب، لتتسع دائرة الأحقاد والغيرة والحسد، وتتكاثر أشواكها ملقية بظلالها السوداء؛ مهددة أمن المجتمع،ولهذا فالأمر ليس مجرد عادة سيئة أو مخالفة لأمر الشرع، إنه مرض اجتماعي خطير، لابد من التوقف عنده ومواجهته للحد من آثاره السيئة، لابد من علاجه بكل الطرق؛ فالمجتمع لا يحتمل مزيدا من المرضى و السفهاء، ولكن كيف؟
غدا مع زهرة جديدة
أما أنت فلا تكن مسرفا: كن كزهرة الياسمين ..رائحتها تريح الأعصاب وتولد شعورا بالثقة والتفاؤل ومرآها يولد شعورا بالحب والسعادة.
أرق تحياتي/ رجاء حسين
الاعتدال
(16) {الإسراف، عادة سيئة أم مرض اجتماعي؟!}
تقدمها لكم / رجاء حسين
============
{الدين المعاملة} فالإسلام ليس دينا منعزلا عن حياة المسلم؛ وقد جاء ليحفظ للإنسان كرامته وإنسانيته، وكلما ارتقى الإنسان في خلقه كان أقرب إلى الله ورسوله، كما جاء في الحديث الشريف: (أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا)
ولهذا أمرنا الله بالتزام مكارم الأخلاق والتمسك بها، وجاء الأمر بالعمل بها في القرآن والسنة النبوية؛ كما أننا أمرنا بالتحلي بصفات طيبة تجعل هذه الأخلاق في الاتجاه الصحيح؛ ومن أهم هذه الصفات صفة {الاعتدال} وهي بمثابة البوصلة التي توجه جميع شئون حياتنا، و في الحلقة السابقة رأينا أهمية مراعاة الاعتدال، فيما يخص الجانب المادي، كاستخدام المال، الماء، الطعام، الملبس والمسكن، وكل ما يمتلكه الإنسان في حياته أو يستخدمه، ولأن الله هو خالق الإنسان ويعلم ما قد تنزع إليه نفسه أحيانا من التطرف والمغالاة في بعض الأمور؛ فقد رسم له الطريق واضحا منذ البداية، طريق الاعتدال والاتزان؛(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) 31 سورة الأعراف، وتوقفنا عند السؤال: لماذا يخالف البعض ذلك؟ ولماذا يلجأون إلى الإسراف، رغم ضرره عليهم صحيا وماديا واجتماعيا؟! ورغم أن الله تعالى قد وضح لنا عواقب الإسراف العاجلة والآجلة؛ ففي الدنيا: قد ينتهي المسرف إلى الإفلاس؛ فيقعد ملوما محسورا يعض أصابع الندم على تفريطه وإسرافه، وفي الآخرة: له الحساب والعقاب على كفره بنعم الله وعدم حفاظه عليها، فلماذا يصر البعض على اتباع هذا السلوك؟ هناك أسباب مختلفة قد تدفع الإنسان للإسراف؛ قد تكون الأسباب: دينية، اجتماعية،أو نفسية؛ فإذا نظرنا إلى الناحية الدينية سنجد أن الإسراف مخالفة صريحة لأمر الله لنا بالاعتدال وعدم تجاوز الحد، وقد تكون هذه المخالفة عن جهل بتعاليم الدين، وهنا على من يهمهم الأمر، تنبيه المسرف لخطورة ما يفعله، وإن كان عن عمد فيجب توجيه النصيحة الخالصة له، مع الحرص على أن تكون من المقربين منه وممن يثق بهم؛ وتكون بأسلوب تربوي سليم لا ينفره؛ لأنه قد يُرجع الأمر إلى مجرد إحساس من ينصحه بالحقد والحسد لما يملكه من نعم، فينقلب الأمر لرفض النصيحة والعناد، وقد يتمادى أكثر فأكثر، وقد يكون الإسراف مرضا اجتماعيا؛ حيث يحاول المسرف الظهور بمظهر الكريم أمام الآخرين، معتقدا أنه كلما زاد إسرافه؛ فسوف ينفي عن نفسه صفة البخل والشح، ويُحسب من الوجهاء، غير عابئ بمخالفته لأوامر الشرع ولواجبه في الحفاظ على نعم الله ، فنرى البعض يبالغ مبالغة شديدة في إقامة الولائم وفي المناسبات المختلفة، ويصل الأمر إلى مرحلة استفزاز مشاعر من حوله؛ عندما يكون ما أعد من طعام وشراب يزيد أضعافا عن حاجة الموجودين فعليا، وينتهي الأمر غالبا بإلقاء كميات كبيرة في صناديق القمامة! وضياع المال، كما نجد البعض يفعل ذلك كنوع من التقليد الأعمى لبعض الأقارب أو الجيران؛ وحتى لا يقال عنه إنه أقل منهم في المستوى؛ فيفعل مثلهم وقد يزيد عليهم؛ وكأن الأمر قد تحول إلى مباراة لإعلان من هو أكثر سفها وإسرافا من الآخر، وكلها مظاهر اجتماعية جوفاء إنما تنم عن ضعف الشخصية،وانعدام الوازع الديني بمخالفة أمر الله، والوازع الأخلاقي بعدم مراعاة مشاعر المحتاجين، ثم يشكو البعض من انتشار الحقد والحسد في نفوس من حولهم! متجاهلين أنهم مشاركون أساسيون في غرس بذور هذه الأحقاد، بل وتعهدها بالرعاية والسقيا بسفاهة أفعالهم، حتى تطالهم أشواكها بمرور الوقت، مؤثرة تأثيرا سلبيا خطيرا على سلامة المجتمع وأمنه الاجتماعي، والنفسي، والغريب أنهم يلقون باللوم كله على الغير! كما أن هناك بعض الأسباب التي تعود إلى العامل النفسي الذاتي لإقدام الإنسان على الإسراف؛ فقد يكون الشخص قد عانى من الحرمان الشديد طوال حياته، بسبب الفقر الشديد أو قسوة وبخل الأسرة لدرجة حرمانه من احتياجاته الأساسية، ويظل طوال الوقت في هذا الحرمان، ثم فجأة ولأي سبب ينقلب الحال من النقيض إلى النقيض؛ فإذا بأحواله وقد تيسرت وصار المال كثيرا معه؛ وقد يصاب البعض في هذه الحالة بهزة نفسية تفقدهم البوصلة لتمييز حد الاعتدال، ويفقدون السيطرة على اتزانهم؛ فنجدهم ينتقلون إلى الطرف الآخر مباشرة، طرف الإسراف الشديد متجاوزين منطقة التوسط في الأمور، ويندفعون في مغالاتهم في الإنفاق؛ متجاهلين نصائح الناصحين، وسخرية الساخرين، وقد ينسون في خضم هذا الاندفاع حق النعمة التي أنعمها الله عليهم بعد ضيق وعسر؛ فينسون المحتاجين والمحرومين، فيحملون أنفسهم ذنبا فوق ذنب، لتتسع دائرة الأحقاد والغيرة والحسد، وتتكاثر أشواكها ملقية بظلالها السوداء؛ مهددة أمن المجتمع،ولهذا فالأمر ليس مجرد عادة سيئة أو مخالفة لأمر الشرع، إنه مرض اجتماعي خطير، لابد من التوقف عنده ومواجهته للحد من آثاره السيئة، لابد من علاجه بكل الطرق؛ فالمجتمع لا يحتمل مزيدا من المرضى و السفهاء، ولكن كيف؟
غدا مع زهرة جديدة
أما أنت فلا تكن مسرفا: كن كزهرة الياسمين ..رائحتها تريح الأعصاب وتولد شعورا بالثقة والتفاؤل ومرآها يولد شعورا بالحب والسعادة.
أرق تحياتي/ رجاء حسين

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق