موسيقه كلاسيك

الاثنين، 4 فبراير 2019

كتبت الأديبة أم الشعراء أ/سامية سليمان قصة قصيرة &الحلم الضائع&

الحلم الضائع  [ قصة قصيرة ]
--------------
    جلست علي كرسي خيرزان بجوار المنضدة الموجودة بجانب السرير ..والتي لم يخلُ جزء منها من علب الأدوية .. نظرت حولي .. لاشيء بالحجرة سوي شماعة تقف علي ثلاثة أرجل بأحد الأركان تحمل القليل من الملابس ومنشفة .. لكن ما لفت نظري وأدهشني " مانيكان " تقف بركن الحجرة الآخر .. وترتدي فستان زفاف يبدو غالي الثمن لما فيه من فصوص متلألئة .. رغم الأتربة التي تكسوه ، وبأعلاه صورة مرسومة لوجه فتاة رائعة الجمال .. لها عينان واسعتان تشعان بالسحر .. الصورة مرسومة بقلم أسود فاحم ورغم اصفرار الورقة من مرور الزمن عليها .. تبدو الفتاة مشرقة وجذابة .. حملقت في الصورة .. ودارت برأسي تساؤلات عديدة عن هذا الفستان وصاحبته .. لم أتكلم .

    تعودت أن اجلس علي مقهي أرباب المعاشات القريب من بيتي .. أتقابل مع صديقي الحاج " أحمد " نلعب الطاولة أو الشطرنج .. ونحتسي القهوة .. ونتناول أطراف الحديث في السياسة وما يحدث علي الساحة .. لم يكن يتكلم أبدا عن أسرته .. واعتبرت هذا ميزة فيه . .

    في الآونة الأخيرة أخذت صحته تتدهور .. تنتابه بعض الأزمات القلبية .. لكنه يلتقط أنفاسه ويعود إلي بيته بمفرده .. إلي أن جاء يوم انتابته أزمة شديدة فصحبته إلي بيته حيث يتناول الدواء ويستريح .

    البيت هادئ .. ليس به أحد ..تبدو شقته كشقق العزاب .. سألته : هل تعيش بمفردك ؟ أين أسرتك ؟ لم يرد حتي وصل إلي سريره ورقد .. وأمسك بعلبة الدواء .. فناولته كوبا من الماء .. مرت دقائق قليلة ..فاستراح قليلا .. ثم بدأ يتكلم :
- نعم أعيش بمفردي .. لم أتزوج..

    لاحظ صاحبي ذهولي .. وما يدور بخلدي .. فواصل حديثه بصوت متقطع يتخلله بعض السعال .. وهو ينظر إلي الصورة والفستان قائلا :

- هذا الفستان وصاحبته .. هما حلمي الضائع .. الذي عشت علي ذكراه .. أحلام أجمل فتاة رأيتها في حياتي .. لم أرها إلا من خلال الشرفة ، حتي أني رسمت لها هذه الصورة وهي واقفة بشرفتها .. وعلي وجهها ابتسامتها الجميلة .. ورأتني وأنا أرسمها فظلت واقفة حتي انتهيت من رسمها .. وأنا أشعر أنها تبادلني المشاعر .. ولا تستطيع أن تقابلني .. كنت حينها موظفا أتقاضي راتبا لا بأس به .. لكن لابد من شقة وشبكة تليق بها  .. خاصة وهي من اسرة ثرية جدا ومحافظة جدا .. وشقتي هذه لا تليق بفتاتي .. علاوة علي مهر يناسبها .

     قررت السفر لأجمع المبلغ اللازم .. لم أتمكن من مقابلتها لأبلغها قراري .. فكتبت رسالة لها أعطيتها لصديقي " جمال " وشرحت لها كل شيء لكي تنتظرني .. ولم أكتب اسمي ولا اسمها حتي لا أسبب لها المشاكل .. وعدني بتوصيلها في أقرب فرصة .. وتركني لأركب الطائرة وغادر .

     كان قد أوصلني للمطار بسيارته الخردة التي ورثها عن أبيه .. والتي لم يستطع أن يغيرها رغم ما بها من أعطال ..

     سافرت .. أخذت أعمل ليل نهار .. علي مدي عامين .. حرمت نفسي أشياءً كثيرة ، ادخرت جل ما وصلني من أجل فتاتي .. وانقطعت الأخبار بمجرد سفري .. ولم تصلني رسالة واحدة ..

    في نهاية مدة سفري اشتريت أجمل فستان زفاف رأيته .. هو الذي أمامك ،.. واشتريت لها شبكة ثمينة تليق بها ..  وكنت غاضبا من " جمال " فما الذي منعه أن يكتب لي ولو رسالة واحدة .. قلت في نفسي ربما كان مشغولا مع حبيبة جديدة .. فما أكثر مغامراته ..

    قررت العودة .. أرسلت برقية إلي " جمال " لينتظرني بالمطار .. وبداخلي مشاعر وأحاسيس فياضة .. و أنا أحلم بالجنة في انتظاري ..

    وصلت المطار .. خرجت أنظر يمينا ويسارا لعلي أجد " جمال " فلم أجده .. لكني وجدت مفاجأة أذهلتني .. " أحلام " في ثوب زفاف تتأبط ذراع شاب أنيق ووسيم .. تلتف حولها أسرتها .. تتبعثر من أفواههم التهاني والأمنيات بقضاء شهر عسل سعيد بالخارج .. والقضاء علي سعادتي للأبد .. تجمد الدم في عروقي .. حرصت ألا تراني حتي لا أفسد عليها سعادتها .. فربما فقدت الأمل في عودتي .

    ركبت سيارة أجرة متوجها إلي منزل " جمال " لأعاتبه ولأفرغ فيه شحنات الغضب التي اجتاحتني .. فتحت لي أمه الباب وهي ترتدي ملابس حداد .. فاعتقدت أن أحد أقاربها توفي .. عزيتها بكلمات معتادة .. وسألتها عن " جمال" وقبل أن ترد ناديته بصوت عالي :

- أين أنت ياجمال ؟ إظهر وبان ..
ردت أمه بصوت منخفض .. والدموع تسيل من عينيها :
- جمال يابني تعيش انت .

     ذهلت من المفاجأة .. وتلعثمت .. ثم سألتها : متي كان ذلك ؟  فردت :
- يوم أوصلك المطار .. وأثناء رحلة العودة .. لم يتحكم في فرامل السيارة وانقلبت به .. وتوفي في الحال .

     رغم سوء الموقف .. ورغم المفاجآت العنيفة التي تعرضت لها .. جمعت شجاعتي وسألتها عن الرسالة .. فغابت دقائق  .. ثم عادت بكومة أوراق كانت رسالتي ضمنها .. ولما فتحتها .. تذكرت أني لم أكتب اسمي ولا اسمها .. شعرت بدوار .. وآلام مروعة بقلبي وسائر جسدي .. فلملمت مشاعري الحزينة .. وخرجت إلي الطريق .

سامية سليمان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

₩سعادتك مسؤوليتك ₩ كتبتها الأستاذة/ هدي محمد

سعادتك ليست بشكلك                 ولا وظيفتك                                     ولا أصلك                               ولا نسبك سعادتك...