موسيقه كلاسيك

الأحد، 28 أكتوبر 2018

الأستاذ/سرحان الركابي يكتب قصة قصيرة (ذاكرة مرهقة )

قصة قصيرة
.

ذاكرة مرهقة
ءءءءءءءءءء

.
.
   .   حينما انا اتلمس جعبة ايامي المهروسة تحت عجلة الزمن الزاحف بقسوة وبشاعة لا متناهية , فان ثمة  يقين  ما يختض برأسي ويؤكد لي , ان ذلك الوميض  من الذكريات , ليس الا  حقائق عشت تفاصيلها في يوم من الايام , اذ لم تكن مجرد احداث مهلهلة مرت كطيف عابر وانتهت بصمت , وعلى الرغم من انها لم تعد سوى شريط ممزق , ومركون في زاوية معتمة من الذاكرة , الا انها تبدو لي في احيان كثيرة كوصمة عار تلاحق تاريخي المجهول والمنسي او كلعبة صبيانية جديرة بالاحتقار والتجاهل ,
. بيدين راعشتين وقلب راجف افتح فرجة صغيرة في الباب , وأقف مترصدا ومتربصا , بعد فترة من الزمن قد تطول او تقصر يفتح الباب الموارب لبيتنا , وتطل ليلى برأسها كحمامة وديعة تنظر في اتجاهي تماما , وكأنها متأكدة من وجودي , وما ان تغمرني نشوة حضورها الباهر , حتى اتسمر في مكاني كتمثال مصلوب في زمن متحجر , يتوقف الزمن ساعتها , وتختل كل الموازين , وتتوقف معه الرغبات الصبيانية المندفعة كطوفان جارف , حيث تخبو هواجسي وتنطفيء  تحت سطوة الخجل والتردد المريرة , لكنني وفي محاولة يائسة للخروج من ذلك الوضع المقرف , ارسم ابتسامة بلهاء على وجهي , تبتسم لي بملامح طفولية مشرقة , فاتشظى امام انهمار موجات السحر ولحظة الظفر الحاسمة , اتسامى واسيح في عالم موشى باحلام خيالية لاحدود لها , 
 . كانت تعرف اني موجود واراقبها من مكان ما , تمد عنقها المرمري لتتفحص الشارع , فيندفع جسدها الى الامام , ليغدو عرضة لنظراتي المتلهفة والخجولة , تنكشف مفاتن جسدها المنحوت بدقة وبراعة , وتبرق عيناها السوداوان  وهما تراقبان بلهفة حذرة , وتتضح مدى نصاعة  ولطافة اصابع يديها الناعمة وهي تمسك بحافة الباب نصف المفتوح , ويتهادى شعرها الاسود الكثيف المنسدل على كتفيها كأنه موجة من موجات بحر هائج , كل تفاصيل جسدها المنحوت بعناية الهية تبدو جلية وواضحة لي , المسافة التي تفصلني عنها لا تتعدى الامتار القليلة , وبامكانها ان تسمعني , لو ناديتها , لكن انى يكون لي ذلك وانا تمثال مصلوب في زمن متوقف عند عقاب وهمية ,
       .  كل ما كنت استطيع فعله , هو تلك الابتسامة البلهاء العجفاء , التي تتيبس فوق ملامحي مثل خارطة ثقيلة , فابدو مثل كائن غريب الاطوار وخائر القوى
. وعند تكرار تلك اللعبة المؤلمة والمقيتة , اكتشفت اني كائن مسحوق ورعديد , يخشى ان يراه الناس وهو يغازل ابنة الجيران , ولن استطيع التفوه بكلمة واحدة , اذ ان مجرد حضورها الساحر بالقرب من عالمي المنكمش ,  يلقي بظلاله الثقيلة على ارادتي , فيشل حركتي ويخرس لساني ,  ويميت هواجسي ورغباتي , 
  . لقد تراجعت جذوة الاحلام والهواجس , التي كنت اجري خلفها كارتعاشات سراب خادع , فرحت اتشبث بكل السبل والوسائل التي توصلني اليها , واقبض باستماتة على اطراف نهايات لعبتي المريرة
  .  وتحت وطأة هزيمتي وفشلي المروع , فضلت او بالاحرى اضطررت ان اراقب من بعيد , كي التقط الاشارات والايماءات التي تصدر عنها , والتي اخذت تتضاءل وتفتر حماستها رويدا رويدا , بفعل بلادتي وشرودي واضطرابي , وقبل ان تنفلت خيوط لعبتي من بين اصابعي , رحت اتخبط في اوحال هزيمتي متشبثا بكل الوسائل التي تبقيني على تواصل معها  , وكانت وسائلي وطرقي عقيمة  وغير مجدية , رغم تكرارها عدة مرات  , كلماتي التي رحت اخطها على الورق , ما هي الا لغة صامتة ومضللة وبعيدة عن الوضوع والمباشرة , الرسائل لغة العاجزين عن المواجهة والمشافهة العلنية , خطابي الذي انوي ايصاله اليها هو في الحقيقة وسيلة فاشلة لاجتياز عقبة الامتار الضئيلة التي تفصلني عنها , والذي عجزت محاولاتي المستميتة عن اجتيازه , فرحت الوح لها باوراقي الاخيرة ووسيلتي الباقية لارى ابتسامتها البائسة , التي تيبست على شفتيها الذابلتين , وجسدها الذاوي , وغمامة الحزن التي راحت ترتسم على وجهها الطفولي , كلما لاحت لها صورتي البليدة , وانا الوح برسائلي التي لم تصل اليها
      . لقد هدأت جذوة رغباتها الجامحة , وماتت بفعل بلادتي وخوفي وترددي   وشرودي , وكانت محاولاتي الاخيرة لايقاظ رغباتها المنكسرة عبثية وضائعة , فقد رحلت بعيدا , وتركت لي اثار بصماتها على الباب , وصورة هلامية تنتصب عند فرجة الباب الضيقة ,  وابتسامة باهتة جففها الزمن , وثلم كل ملامحها الضبابية ,     
      . لا اعلم ما اذا كانت قد تزوجت , ام ذهبت الى مكان مجهول , لن ترى فيه اطلالتي المتخشبة وابتسامتي الباهتة , ولا يدي الراعشة وهي تلوح باخر الكلمات المقنعة والصامتة , لكنها تركت لي بابا نصف مفتوح ,  ورسائل باردة وغير مقروءة , ومحفوظة في ملفات حفظ علاها الغبار والاهمال , ومسافات فاصلة ضئيلة , لكنها  كانت تبدو لي شاسعة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

₩سعادتك مسؤوليتك ₩ كتبتها الأستاذة/ هدي محمد

سعادتك ليست بشكلك                 ولا وظيفتك                                     ولا أصلك                               ولا نسبك سعادتك...